سأخصص هذ المدونة للطعام بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم في بلادنا. لن أحدثكم عن وجبات فاخرة وموائد ملكية بل عن أطباق تقليدية بسيطة معدة بحب في المنزل لتجمع الأسرة حول المائدة في نهاية اليو.
وإن لم يكن قد حالفك الحظ بعد وتذوقت الطعام الكردي، فدعني أخبرك أنه طعام غني منذ القدم بالنكهات الطبيعية وتُستَخدم في إعداده مجموعة متنوعة من النباتات. ومازالت الوصفات الكردية التقليدية تتوارثها الأجيال، من الجدات للأمهات للحفيدات، حتى يومنا هذا، ولهذا تجد أن نكهة طبق الكفتة أو الدولما مثلًا تختلف من عائلة لأخرى ومن منطقة لأخرى.
كنت أدخل المطبخ يوميًا خلال الحجر المنزلي الذي فرضه وباء الكورونا وما صاحبه من حالة سكون خيمت على العالم، لأعد لأسرتي وجبة جديدة كل يوم. واكتشفت خلال هذه الفترة مجموعة من أكثر فناني الطعام الأكراد موهبة. نعم، فالطعام في موطني فنٌ. فنٌ، كان من الصعب عليّ إجادته حتى تعلمت أسرار الطهي على يد مجموعة من ملائكة المطبخ والطهاة الشغوفين.
ومن بين المواقع الإلكترونية التي بدأت في متابعتها في تلك الفترة صفحة المحامية ميخاك، صاحبة Foodie Therapy Official – Mekhak . تقيم ميخاك في لندن وتعمل لمدة خمسين ساعة أسبوعيًا كمسؤولة عن جودة الرعاية. وما أن التقيت بميخاك لإجراء المقابلة، حتى أدركت أن شخصيتها أحلى من الحلويات التي تشاركنا وصفاتها على منصاتها الإلكترونية.
ورغم انشغالها بحياتها المهنية، إلا أن ميخاك دائمًا ما تحرص على تقديم طعام صحي وبسيط. وأكدت لي مرارًا وتكرارًا خلال لقائنا أن وصفاتها “سهلة وسريعة”. وبدا واضحًا خلال حديثها أنها شغوفة بالطهي: “أحاول من خلال ما أفعله أن أثبت للآخرين، أننا جميعًا، رجال ونساء وأطفال، يمكننا الطهو، بغض النظر عن مدى انشغالنا.”
كنت دائمًا ما أبحث عن وصفات كردية على شبكة الإنترنت عدا الكتب القليلة المتوفرة عن المطبخ الكردي. لكن صور وفيديوهات الوصفات عادة ما تكون طويلة أكثر من اللازم وجودتها منخفضة، خاصة عند إضافة تعليق صوتي. فكنت دائمًا ما أضطر لإعادة المقطع مرارًا وتكرارًا لأتأكد ما إن كان المكون الذي تم استخدامه ملح أم سكر أو بيكربونات صوديوم، على سبيل المثال، وهو ما كان مرهقًا للغاية. لكنّ فيديوهات ميخاك كانت مفعمة بالألوان ونابضة بالحياة وفائقة الجودة، وخطواتها بسيطة وسهلة الاتباع. وهذا ما يحلم به أي طاه هاوٍ.
ولم تكن صفحة ميخاك على الإنستجرام قائمة على الربح، بل كانت كثيرًا ما تستخدمها في التوعية بثقافة الطعام وتذكير المتابعين بأهمية إعادة استخدام بقايا الطعام، على سبيل المثال، أو مناقشة قضية إهدار الطعام.
وعندما سألت ميخاك كيف وجدت وقتًا وسط مشاغلها المهنية لابتكار وصفات ومشاركتها مع متابعيها على شبكة الإنترنت، فأجابتني بعفوية: “أقوم بتصوير ما أقوم بطهوه خلال عطلة نهاية الأسبوع، أيًا كان، وأنتهي من تحرير مقاطع الفيديو وترجمتها في طريقي من وإلى العمل.” إنها مثالي حي لمهارة إدارة الوقت. تتحدث وكأن المسألة لم تتطلب منها أي مجهود، ولكنك عندما ترى جودة محتواها النهائي تشعر بمدى الجهد الذي بذلته ميخاك ليظهر بهذا الشكل على شبكة الإنترنت. فهي تعتمد على هاتفها الآي فون فقط، وليس لديها فريق عمل من المتخصصين ولا كاميرات أو إضاءات فاخرة، بل تضع الكاميرا على الدرون وتبدأ في تصوير الوصفات، وتقوم بعدها بتحرير مقاطع الفيديو على هاتفها أيضًا.
منذ أن بدأت بمتابعة ميخاك لم أعد بحاجة لمشاهدة فيديوهات على اليوتيوب مدتها ٣٥ دقيقة فقط لأتعلم إعداد وصفة من الوصفات. فهي تبقي فيديوهاتها على اليوتيوب في حدود ثلاث دقائق بحد أقصى. تخيل أن تتعلم إعداد وصفة شهية في ثلاث دقائق فقط! بل إنها نشرت مؤخرًا مجموعة من الفيديوهات بلغ متوسط طولها ٥٨ ثانية! ولم تكتفِ بذلك، بل قدمت لجمهورها هذا المحتوى بثلاث لغات مختلفة: الكردية والعربية والإنجليزية.
نجحت ميخاك حتى الآن في الوصول إلى أكثر من ٢٠٠٠٠ شخص عبر منصاتها الإلكترونية على إنستجرام ويوتيوب، وذلك من خلال مجموعة من الوصفات المكتوبة يفوق عددها المئة وصفة، جهزتها ميخاك في حال أن قررت أن تنشر كتابًا عن الطهي. لو رأيت صور أطباقها الشهية على إنستجرام سيسيل لعابك، وفيديوهاتها من شأنها أن تقنع أي هاوٍ أن بإمكانه إعداد وجبته التالية ببراعة واحترافية.
أدركت من خلال سلسلة المقالات التي ساهمت بها في موقع ابتدي أن كل المبدعين، سواء رسامين، أو صناع شموع، أو صناع محتوى، أو مبتكري طعام، يستخدمون نفس الكلمات، وأن لديهم جميعًا شغف وحافز داخلي. وميخاك لا تختلف عنهم مطلقًا: “أكون في أسعد لحظاتي عندما أقوم بتجربة وصفات جديدة وتنجح بالفعل. لا أخاف الوصفات الجديدة، حتى تلك التي لم أجربها من قبل، بل أكون في منتهى السعادة عندما أكتشف أنها شهية.”
وعندما سألت ميخاك، كيف دمجت المأكولات الكردية عالية الدسم في وصفاتها، ضحكت لأنها كانت تعلم جيدًا أنني أقصد بذلك كميات الزيت الكبيرة المستخدمة في كثير من البيوت، ولفتت نظري لنقطة لم أنتبه إليها مسبقًا: “الطعام الكردي في حد ذاته صحي للغاية، ولكننا نجعله غير صحي بإضافة الكثير من الزيوت. فاليخنة الشهية، على سبيل المثال، مليئة بالقيمة الغذائية ولا تحتاج لكميات إضافية من السمن أو الملح الزائد أو الزيوت.”
“أحاول توعية الناس بأن مطبخنا صحي للغاية، وأن علينا ألا نفسده بالزيوت. عندما أقوم بإعداد طبق التپسي، (خضروات مقلية بالصلصة الحمراء)، على سبيل المثال، فإنني لا أقوم بقلي الخضروات أبدًا، بل أخبزها في الفرن بدلاً من ذلك.” وأضافت ضاحكة: “وهذا من شأنه أن يحافظ على نظافة المطبخ أيضًا، لأن الدهون لن تتناثر في كل مكان.”
وتحدثنا معًا أيضًا بشأن استجابة جمهورها لوصفاتها، وأدركت عندئذ أنها أكثر ما يسعدها هو أن يقوم متابعوها بتجربة وصفاتها ومشاركتها صور تطبيقاتهم. طالما ظننا أن الوصفات الكردية الكلاسيكية صعبة وتحتاج لساعات من التحضير والكثير من الجهد، إلا أن ميخاك، وغيرها من صناع المحتوى القلائل، قد حظوا بشعبية كبيرة بين الشباب الأكراد المعاصرين بسبب تركيزهم على الوصفات السهلة الموفرة للوقت. فهم يقدمون الوصفات والإرشادات خطوة بخطوة وبطريقة عصرية للغاية، وكأنك تشاهد جدتك الحبيبة تطهو أمامك – ولكن في أقل من دقيقة!
وميخاك ليست هي الشابة الكردية الوحيدة التي شاركت شغفها وحبها للطهي مع جمهورها على شبكة الإنترنت، هناك أيضًا شنا، وهي معلمة كردية مقيمة في لندن وصاحبة صفحة Kurdish Best Food. ومن بين صفحاتي المفضلة أيضًا صفحة A Kurdish Foodie لـ ألكا، خريجة جامعة هارفارد. وقد قد كتبت عن ألكا في مدونتي خلال فترة وباء كورونا وقلت: “أنظر إلى شاشة هاتفي وأستطيع أن أشتم رائحة اليپراخ المليء بالعصارة والنكهات المختلفة، التي تمتزج فيها الحموضة بلمسة من التوابل الحارة. وأشعر وكأن كليچة الجوز المقرمشة تذوب في فمي وبرغبة ملحة في الخبز… صارت صفحة @Akurdishfoodie هي ملاذي الذي أشعر فيه بالسعادة خلال فترة الحجر المنزلي. أحببت تلك الطاهية القابعة وراء الشاشة من دون أن أراها أو أعرف حتى اسمها الحقيقي. دوَّنت وصفاتها في أجمل كراساتي، ووضعت لكل وصفة عنوان يناسب محتواها: ياپراخ على طريقة كورديش فوودي، أو كليچة على طريقة كورديش فوودي، أو كفتة على طريقة كورديش فوودي…، وهكذا.”
إن صناع المحتوى من مبدعي الطعام قد أتاحوا لي ولأمثالي، ممن يختلف نمط حياتهن عن حياة جداتهن، الفرصة لطهي الوصفات الكردية الكلاسيكية من دون عناء؛ وصفات معدة بحب، تملأ البيت برائحة الطعام الطازج وبدفء وحب لا يمكن تعويضه بأية وجبات جاهزة. وفي مقالتنا التالية سنتحدث عن انتشار ثقافة الطعام الجاهز!
رمضان مبارك من كردستان العراق.
بقلم سازان مـ. مندلاوي، منسقة ومُدَوِنة شغوفة في طريقها للحصول على درجة الدكتوراه في مجال التعليم. تسلِّط الضوء في مدونتها على المشهد الثقافي والإبداعي بإقليم كردستان بالعراق.
حقوق طبع ونشر الصور: الصفحة الرسمية لـ Foodie Therapy